مجموعة مؤلفين

130

مجلة فقه أهل البيت ( ع )

أجل ، ولعل من آيات ثباته ما نلحظه في الفترات المتأخّرة في نفوس أنصاف وأعشار المتفقهة والمتعلمين ممن يريد أن يثب على العلم فيطوي مراحله ببضع سنين ليحظى بذلك على لقب يُخلع عليه ، أو موقع بين الناس يتمكن منه ، وحقّاً ما قيل في هؤلاء ! إنّهم يطلبون العلم يوم السبت ، ويُدرِّسونه يوم الأحد ، ويعملون أساتذة له يوم الاثنين ، أمّا يوم الثلاثاء فيطاولون الأئمة الكبار ويقولون : نحن رجال وهم رجال ! ! نستجير من يوم يسفّ فيه العلم فيقع زمام الأمة الثقافي بيد أمثال هؤلاء من أدعياء المعرفة . إنّ الحقيقة التي تأخذ بناصية الجميع وتفرض نفسها واقعاً ماثلًا لا يمكن المحيد عنه هي أنّ رقعة العلوم والفنون والمعارف قد أخذت بالتشعّب والاتساع والتخصص ، ولا تزال كذلك مطردة في هذا الاتجاه يوماً بعد آخر ، فالفلسفة التي كانت في يوم من أيّام التأريخ تعني شطراً عظيماً من العلم - لما تحويه من علوم كان الإنسان القديم محيطاً بها أو بأكثرها - تفرّق جمعها وتشعّبت حتى صار كل فرع من فروعها تتكفّل بدراسته جامعة من جامعات العالم اليوم . أضف إلى ذلك اتساع الثقافات والحضارات والاتصالات بين الشعوب والأمم ، مما جعل العالم المعاصر كالقرية الواحدة التي يرتبط أقصاها بأدناها في لحظة واحدة ، وصارت ثقافة الأمّة - أيّة أمّة - ملكاً طلقاً وحقّاً عامّاً للجميع عبر مختلف وسائل النقل والاتّصال ، الأمر الذي يدعو الإنسان المعاصر - فضلًا عن العالِم المعاصر - إلى مواكبة الحركة العلمية والفكرية والثقافية وتطورها من حوله ، ليعرف حضارات الشعوب وثقافاتها المتباينة . وعنصر آخر يفرض نفسه ويُلقي بشبحه المخيف بشكل دائم هو محدودية العمر البشري ، فإنّ هذه الذخيرة لا بد أن تقف يوماً عند نقطة الانتهاء . وهذا ما يشير إليه قول علي عليه السلام « خذوا من كل علم أرواحه ، ودعوا ظروفه ، فإنّ العلم كثير والعمر قصير » . وقيل أيضاً : « لو أوتي الإنسان عمر نوح ، وأموال قارون على أن يجمع العلم لما استطاع » .